عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

444

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وتارة يقع عَلَى وجه التقرب إِلَى الله عز وجل : باستجلاب صلاح القلوب ، وإزالة قسوتها وتحصيل رقتها . القسم الأول : أن يقع عَلَى وجه اللعب واللهو : فأكثر العُلَمَاء عَلَى تحريم ذلك - أعني سماع الغناء وسماع آلات الملاهي كلها - وكل منها محرم بانفراده ، وقد حكى أبو بكر الآجري وغيره إجماع العُلَمَاء عَلَى ذلك . والمراد بالغناء المحرم : ما كان من الشعر الرقيق الَّذِي فيه تشبيب بالنساء ونحوه ، مما توصف فيه محاسن من تهيج الطباع بسماع وصف محاسنه ، فهذا هو الغناء المنهي عنه ، وبذلك فسره الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه ، وغيرهما من الأئمة . فهذا الشعر إذا لُحن ، وأخرج تلحينه عَلَى وجه يُزعج القلوب ، ويخرجها عن الاعتدال ، ويُحرك الهوى الكلامن المجبول في طباع البشر ، فهو الغناء المنهي عنه . فإن أنشد هذا الشعر عَلَى غير وجه التلحين ؛ فإن كان محركًا للهوى بنفسه فهو محرم أيضاً ؛ لتحريكه الهوى ، لهان لم يُسمَّ غناء . فأما ما لم يكن فيه شيء من ذلك ، فإنه ليس بمحرم وإن سُمي غناء . وعلى هذا حمل الإمام أحمد حديث عائشة - رضي الله عنها - في الرخصة في غناء نساء الأنصار وقال : هو غناء الركبان أتيناكم أتيناكم . يشير إِلَى أنه ليس فيه ما يُهيجُ الطباع إِلَى الهوى ويشهد لذلك حديث عائشة : أن الجاريتين اللتين كانتا عندها كانتا تغنيان بما ( تقاولت ) ( * ) به الأنصارُ رضي الله عنهم يوم بُعاث ( 1 ) وعلى مثله يُحمل كل حديث ورد في الرخصة في الغناء ، كحديث الحبشية التي نذرت أن تضرب الدّف ، في مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 2 ) ، وما أشبهه من الأحاديث .

--> ( * ) في " نسخة " : تقاومت . ( 1 ) أخرجه البخاري ( 952 ) ، ومسلم ( 892 ) . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 3690 ) ، وأحمد ( 5 / 353 ) . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث بريدة ، وفي الباب عن عمر ، وسعد بن أبي وقاص ، وعائشة .